غياب الخبراء الاستثنائيون وتعويضهم افتراضياً

 

الباحث طلال بواعنه 

نتطرق - في بعض جلساتنا- لأشخاص كانوا يشغلون مراكز مرموقة في وظائفهم، وتركوا بصمات راسخة فيالأزمات والمواقف المصيرية، ولكنهم اضطروا لمغادرة مواقعهم لأسباب مختلفة ( التقاعد، البحث عن فرصة في مكان اخر، الدراسة، المرض والوفاة، التوجه للعمل الأكاديمي، وغيرها)، وعندما تواجه المؤسسة أزمة معقدة قد يعاد استذكارهم صراحة أو همساً " لو كان فلان هنا لتعامل مع الأمر بحرفية وانتج حلاً استثنائياً".

ولإعطاء صورة أشمل عن أهمية الخبراء الاستثنائيون وإشكالية تعويضهم، تخيل أن موظفاً أو خبيراً استراتيجياً عمل لسنوات طويلة في إدارة المخاطر والأزمات بأحد البنوك أو المؤسسات المالية الكبرى، وأسهم في حل الكثير من المشاكل بحكم خبرته في ربط الاحداث واستباقها وقراءة المشهد المالي بدقة، مما جنّب البنك خسائر وانهيارات مالية كادت ان تعصف به في بعض الأحيان، وفي لحظة ما قرر هذا الموظف أن يتقاعد أو ينتقل الى للعمل في مكان اخر، عندها تجدّ المؤسسة أنها لم تخسر موظفاً عادياً ، بل مرجعية وخبرة تراكمية وذاكرة مؤسسية يصعب تعويضها أو تكرارها بسهولة. 

ولنتخيل أيضاً خبيراً أو محللاً استراتيجياً في جهاز أمني حساس قرر ترك العمل أو تمت إحالته للتقاعد بعد أن أمضى سنوات طويلة في تحليل سلوك الخصوم وكشف أساليبهم التضليلية والمخادعة، ومع رحيله يُثار سؤال، كيف يمكن سد الفراغ الذي تركه هذا الخبير ومن سيشغل مكانه ويفكر بنفس طريقته.

هذه الإشكالية لا تتوقف عند حدود البنوك والأجهزة الأمنية فقط ، بل تشمل المؤسسات والشركات السيادية ومراكز الأبحاث المرموقة ، ورغم الدفع بفكرة القدرة على إنتاج البدلاء ، الإ أنّ بعض الخبرات الاستثنائية يصعب استنساخها بالتدريب التقليدي أو برامج التأهيل والإحلال الوظيفي.

الاستنساخ الرقمي :

جوهر هذا المقال يبحث في كيفية تعويض بيوت الخبرة داخل المؤسسات دون أن تتأثر برحيلهم وغيابهم أو التخفيف من تبعاته، عبر فكرة تقوم على امكانية خلق شخصية "رقمية افتراضية" تمكلك نفس التميّز والصفات الذهنية للخبير الحقيقي وتسدّ مكانه عند الضرورة ، بحيث تبقى خبراته متاحة حتى بعد مغادرته.

قد تبدو الفكرة للوهلة الأولى أقرب إلى الخيال، لكنها في الحقيقة ممكنة في ظل التحول المتسارع في عالم التكنولوجيا والصناعة الرقمية ، وامتداداً طبيعياً لما نشهد اليوم من إندفاع لاستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في شتى مناحي الحياة، وعلى غرار ما تقوم به المؤسسات الكبرى اليوم بالاعتماد على برمجيات لحفظ وتخزين المعرفة والخبرات، فقد أصبح من المشروع التفكير في إنشاء برمجية رقمية تستحضر نمط الخبير ومعرفته ومنهجيته في العمل.

متطلبات إنتاج الشخصية الافتراضية:

الطريقة المثلى أن تبدأ عملية انتاج البديل الرقمي قبل مغادرة الخبير موقعه، لتحويل قدراته الى معرفة قابلة للاستحضار عند الحاجة، وبعيداً عن الجوانب الفنية والتقنية وآليات عمل البرمجية، يمكن أن نشير الى المتطلبات الآتية:

1. أرشفة كافة التقارير والمذكرات التي انتجها الخبير طيلة سنوات عمله بما فيها التظهيرات والملاحظات الجانبية .
2. جمع القضايا والأزمات الحساسة التي عمل عليها أو شارك في حلها أو كان جزءاً رئيسياً فيها.
3. تجميع القرارات التي اتخذها ومبرراتها.
4. أسلوبه في تقييم المخاطر واستشراف المستقبل.

ومن المسائل الهامة لفهم نمط وطريقة تفكير "الخبير" هي إخضاعه لنماذج محاكاة معدة من قبل تطبيقات ذكية،تتضمن سيناريوهات معقدة "افتراضية أو واقعية" والطلب منه حلها ، ورصد وتسجيل طريقته في الحل ( الاسئلة التي يطرحها، المعلومات التي يعتبرها حاسمة، المؤشرات التي يهملها ، الموازنة بين المخاطر والفرص،..).

التحديات التطبيقية التي قد تواجه هذه النظرية الافتراضية رغم جاذبيتها :

1. التبدل المتسارع والمستمر في البيئات الاستراتيجية سواء كانت (اقتصادية ، أمنية ، تكنولوجية ، ..) مما يجعل البديل الرقمي عاجزاً عن تقديم حلول منتجة لقضايا لم يعاصرها خلال عمله.
2. انتقال الأخطاء والتحيزات والنوازع البشرية، فالتقنية تقرأ الشخص بكافة جوانبه وتنقل معرفته كما هي،دون أن تلاحظ أن بعض الخبراء قد يكون لديهم تحيزات مهنية واجندات شخصية، مما قد يعيد انتاجها. 
3. الجانب القانوني: مدى شرعية استخدام النموذج الذهني الرقمي لأي شخص، وإمكانية أن تنشأ نزاعات قانونية تحت عنوان " حقوق الملكية" ، وهل يستوجب الأمر الحصول على تفويض أو تصريح مكتوب من الخبير قبل إنشاء شخصيته الرقمية . 
4. تحمل المسؤولية عن القرار الخاطئ : في حال الاعتماد على توصية للخبير الافتراضي ونتج عنها ضرر كبير ، على من تعود المسؤولية؟ وهل تقوم الإدارة العليا بمحاسبة مشغلي النظام أم المدراء البشريون. 
5. مقاومة التغيير : رغبة المدراء الجدد باعتماد نموذجهم في الأزمات وحل المشاكل ، فضلاً عن صراع الأجيال والقدرة على دمج الخبرات الرقمية مع رؤية الجيل الناشيء.

في الختام، قد تأخذ فكرة بناء نموذج أو بديل رقمي للخبراء والموظفون الاستثنائيون مجالاً أوسع في عصر الذكاء الاصطناعي، وقد نشهد في مرحلة ما إنشاء "مجالس استشارية رقمية" في بعض المؤسسات الكبرى تضم اكثر من خبير رقمي واحد، للاستعانة بهم في القرارات المصيرية .

ويبقى تطبيق هذه الأفكار معتمداً على الرأي الفني التقني للخبراء في مجال التنكولوجيا وهو ما سيتم بحثه واستكشافه في مقال اخر.


مقدمة الباحث / 

طلال بواعنة (Talal Bawaneh) هو باحث ومحلل استراتيجي، ومحامٍ، يحمل درجة الماجستير في استراتيجيات مكافحة الإرهاب والتطرف، ويمتلك خبرة تمتد لـ 30 عاماً في تحليل الصراعات الإقليمية وصياغة سيناريوهات الاستشراف الاستراتيجي. تركز أبحاثه على أمن المعلومات، والذاكرة المؤسسية، واستنساخ الخبرات البشرية عبر الذكاء الاصطناعي والتوائم الرقمية (Digital Twins) ونظم الاسترجاع المعزز بالتوليد (RAG).

الموقع الرسمي / المنصة المرجعية 




About the Author:

Talal Bawaneh is a strategic researcher, analyst, and lawyer holding an M.A. in Counter-Terrorism and Extremism Strategies, with 30 years of experience in regional conflict analysis and strategic foresight scenario-building. His research focuses on institutional memory, knowledge retention, and digital persona/twin engineering using Retrieval-Augmented Generation (RAG) and artificial intelligence frameworks.

Author Hub & References 




Comments

Popular posts from this blog

تقييم أداء الموظفين بواسطة أنظمة الذكاء الاصطناعي وتحديات الحماية القانونية

Localization of Military Defense Industries in the Age of Artificial Intelligence: Insights from His Majesty’s Recent Tours to France and the Czech Republic